محمد كرد علي

243

خطط الشام

المخلوقات لم يحدث له علم بها بل حصلت مكشوفة بالعلم الأزلي . وهو تعالى حي وحياته بلا روح ولا اغتذاء ، وجميع الأرواح مخلوقة ، والحياة شرط في العلم والقدرة والإرادة والرؤية والسمع ، فمن ليس بحي لا يصح أن يكون عالما قادرا مريدا سامعا مبصرا . وهو سبحانه سميع بصير يسمع ويرى لا يعزب عن سمعه مسموع وإن خفي ، ولا يغيب عن رؤيته مرئي وإن دق ، ولا يحجب سمعه بعد ، ولا يدفع رؤيته ظلام ، لم يزل رائيا لنفسه ، وسامعا لكلام نفسه ، وأن الانكشاف بالسمع غير الانكشاف بالبصر ، وأن كليهما غير الانكشاف بالعلم ، بل لكل منها حقيقة يفوض علمها للّه تعالى . وهو تعالى متكلم بكلام قائم بذاته ليس بحرف ولا صوت هو به آمر ناه مخبر وأن القرآن كلام اللّه غير مخلوق . ( الركن الثالث في الأفعال ) اللّه تعالى لا خالق سواه وكل حادث في العالم حدث بقدرته وخلقه لا محدث له غيره ، وجميع أفعال العباد اختيارية واضطرارية ، مخلوقة له تعالى ومتعلقة بقدرته ، وإنما اللّه تعالى خلق في العبد قوة تسمى الإرادة الجزئية وأقدر عبده على صرف هذه القوة إلى ما شاء من جزئيات المأمورات والمنهيات باختياره ، وهذا الصرف هو الذي يسمى بالكسب تارة وبالميل والجزء الاختياري تارة أخرى . ويسمى أيضا بقدرة العبد . وقد جرت عادة اللّه تعالى أنه لا يخلق القدرة على المعصية في أعضاء العبد حتى يصرف العبد إرادته الجزئية إليها ، فإذا صرفها إليها بأن مال قلبه وعزم عليها فهناك يخلق اللّه تعالى القدرة في أعضائه على فعلها فيفعلها ، فقدرة العبد التي هي الميل المذكور مقارنة لإيجاد اللّه تعالى ليس لها تأثير في إيجاد الفعل بل مجرد مقارنة . وهو تعالى لا يجب عليه شيء من فعل الأصلح لعباده ، ورعاية الحكمة والمصلحة في فعله ، فله أن يعذب على الطاعات ويثيب على المعاصي ، وأن يبتلي عبده بضروب الآلام من غير جرم سابق ومن غير ثواب لا حق ، ولا يعد ذلك منه قبيحا ولا ظلما لأنه يتصرف في ملكه لا في ملك غيره ، يفعل ما يريد ، ولا حاكم عليه بل له الحكم ، وإنما يثيب على الطاعة بحكم الكرم والوعد لا بحكم الاستحقاق واللزوم ، ويعاقب على المعصية عدلا منه تعالى ،